الغاز القطري يتصدر الاسواق العالميه بسبب الحرب الاوكرانيه

7 أشهر 373

تمثل استضافة كأس العالم لكرة القدم، ضربة موفقة لقطر. لكن بحث أوروبا لاستبدال الغاز الطبيعي الروسي، سيمنح الدولة الخليجية نفوذاً حقيقياً، بحسب بلومبرج الشرق.

مع بدء هبوط الطائرات في الدوحة، يمكن للمسافرين أن ينظروا لأسفل ليشاهدوا الإستاد الجديد تماماً الذي يتسع لـثمانين ألف متفرج والذي يرتفع وسط الصحراء وسيستضيف بطولة نهائي كأس العالم في ديسمبر 2022.

قد يلاحظ الوافدون أيضاً صورة أخرى مذهلة وهي لناقلات مصطفة في الخليج العربي، لتحميل الغاز الطبيعي شديد البرودة.

قد يكون هناك القليل من القواسم المشتركة بين كرة القدم والوقود الذي لا غنى عنه بشكل متزايد، إلا أنهما يجتمعان لمنح قطر تأثيراً كبيراً على الساحة العالمية.

في الوقت الذي تُظهر بطولة كأس العالم قدرتها على اكتساب مكانة دولية، فإن مكانة قطر باعتبارها دولة موردة للغاز، المطلوب للغاية، تَعِدُ بتحويل شبه الجزيرة الصغيرة إلى مكانة لاعب أكبر كانت تطمح إليها دائماً لنيلها.

عزّز ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب في أوكرانيا وضع الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط مثل المملكة العربية السعودية والكويت. لكن المكافآت المالية والجيوسياسية المعروضة على قطر تجعلها الفائز الأول بعد أن أجبر غزو فلاديمير بوتين لأوكرانيا أوروبا على البدء في التخلص من واردات الطاقة الروسية.

توجَّه العديد من كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي إلى الدوحة في الأسابيع الأخيرة، وكلهم يحملون رسالة واضحة: نحن بحاجة إلى غازكم بأسرع ما يمكن. طلبت ألمانيا من الشركات أن تبدأ في التفاوض لإبرام صفقات التوريد.

أصبحت الحاجة الملحة أكثر حدة الأسبوع الجاري بعد أن أوقفت روسيا الإمدادات عن بولندا وبلغاريا.

من المتوقع بالفعل أن تصل صادرات الطاقة القطرية إلى 100 مليار دولار هذا العام لأول مرة منذ 2014 بناء على الاتجاهات من الربع الأول، وفقاً لحسابات بلومبرج.

سيسمح لها ذلك بإنفاق ثروات أكبر في أسواق الأسهم العالمية والسعي لتحقيق أهداف سياستها الخارجية، بشكل أساسي من خلال صندوقها للثروة السيادي البالغ حجمه 450 مليار دولار.

في غضون ذلك، تتوقع الحكومة القطرية جني منافع اقتصادية بقيمة 20 مليار دولار من تنظيم كأس العالم.

لقد جعل ذلك سنة 2022 أكثر من مجرد العام الذي ستترك فيه قطر بصماتها على الساحة الرياضية، مما يثري ما هو بالفعل واحدة من أغنى البلدان ويعزز نفوذها بطريقة كانت تبدو غير مرجحة قبل عام واحد فقط.

تثير أوروبا صخباً بشأن الغاز الطبيعي المسال بعد أن بدأت قطر تنفيذ مشروع بتكلفة 30 مليار دولار لتعزيز صادراتها بنسبة 60% بحلول عام 2027.

يعني الطلب الإضافي مزيدا من المنافسة بين المشترين على عقود التوريد طويلة الأجل، وعلى الأرجح، في ظل شروط أفضل لدولة قطر.

قبل اندلاع الحرب الأوكرانية، شكك بعض المحللين في وجود ما يكفي من الأنشطة لتبرير خطة التوسع (بالنسبة لصادرات قطر من الغاز). حالياً، تستطلع قطر آراء العملاء بشأن زيادة قدرات التصدير، حسبما أفادت بلومبرغ في 20 أبريل.

قالت كارين يونج، إحدى كبار الباحثين بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن: "إنها فرصة رائعة .. قطر ستكون واحدة من أهم مصدري الغاز، السوق التي ستكون قوية جداً على الأرجح لسنوات قادمة".

التحول في ثروات قطر
يمثل الأمر بمثابة تحول كبير بالنسبة لقطر وعدد سكانها الذي يقل عن 3 ملايين نسمة. أمضت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وحلفاؤهما أكثر من ثلاث سنوات في محاولة التضييق على قطر اقتصادياً لكونها قريبة جداً من الجماعات الإسلامية الإقليمية وإيران.

أدّت جائحة فيروس كورونا لانخفاض سعر الغاز إلى مستويات قياسية، مما أدى إلى تسريع ما قال كثيرون إنه اتجاه حتمي للمستهلكين للتحول من الوقود الأحفوري إلى طاقة أنظف ومتجددة.

في غضون ذلك، انتقد نشطاء حقوق الإنسان قطر بسبب معاملتها للعمال الأجانب الذين يبنون مرافق البنية التحتية لاستضافة كأس العالم. توفي ما لا يقل عن 50 من العمال الأجانب في عام 2020 وحده، وفقاً لمنظمة العمل الدولية.

شهد الأمر تحولات سريعة، وانتهت المقاطعة الاقتصادية وظلت أسعار الغاز الأوروبية بالقرب من أعلى مستوياتها على الإطلاق.

ارتفعت الأسعار أكثر من أربعة أضعاف في عام 2021 أولاً، بفضل الطلب مع انحسار الوباء ثم بسبب غزو روسيا لأوكرانيا.

يتزايد الطلب بشدة للتودد إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الولايات المتحدة وأوروبا.

في اجتماع بالبيت الأبيض مع الرئيس جو بايدن في أواخر يناير -قبل أسابيع من بدء الحرب– ناقش الزعيمان "ضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية".

صنّف بايدن قطر على أنها "حليف رئيسي من خارج الناتو"، ويرجع ذلك جزئياً إلى مساعدة الدوحة للولايات المتحدة في عمليات الإجلاء من أفغانستان، على الرغم من أن الغاز كان في مكان الصدارة لمحادثاتهما.

يتناقض ذلك مع التوتر بين البيت الأبيض والسعودية والإمارات بسبب رفضهما زيادة إنتاج النفط والمساعدة في خفض الأسعار.

تجني قطر المكاسب بالفعل. من المتوقع أن ينمو اقتصادها البالغ حجمه 200 مليار دولار بنسبة 4.4% خلال 2022، وهو أكبر معدل نمو منذ عام 2015 ، وفقاً لـ"سيتي جروب".

سيرتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقرب من 80 ألف دولار، ليصعد نحو المستويات في أماكن أخرى مثل جزر كايمان وسويسرا.

تأتي بداية ما يمكن أن تكون "دورة فائقة للغاز" مع انتهاء طفرة البناء لاستضافة بطولة كأس العالم التي دعمت الاقتصاد في السنوات الأخيرة، وفقاً لزياد داود، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في "بلومبرج إيكونوميكس"، والذي قال إن "التوقيت من حسن حظ قطر التي قد تشهد محركاً جديداً للنمو في هذا العقد".

ماذا ستفعل قطر بالمال؟
السؤال الآن هو ما الذي ستفعله قطر بالمكاسب المفاجئة الناجمة عن الغاز الطبيعي المسال. لا يشير سجلها الحافل إلى التعمق في أسواق الأسهم العالمية فحسب، بل يشير أيضاً إلى مساعي السياسة الخارجية التي لم تكن دائماً منسجمة مع حلفائها في الولايات المتحدة وأوروبا.

سيتم استخدام الكثير من الأموال لدعم صندوق الثروة السيادي القطري، وفقاً لما ذكره شخص مطلع على الأمر.

من شأن ذلك أن يُمكِّن جهاز قطر للاستثمار، وهو بالفعل مستثمر رئيسي في الشركات بما في ذلك "باركليز" و"فولكس واجن" وكذلك العقارات في نيويورك ولندن، من تسريع توجهه القوي نحو أسهم التكنولوجيا.

يمكن لقطر أيضا استخدام الصندوق لتعزيز أهدافها الإقليمية. تعهّدت الحكومة القطرية الشهر الماضي بضخ استثمارات بقيمة 5 مليارات دولار في مصر. جاء ذلك ضمن خطة دول الخليج لدعم القاهرة، التي تضررت من ارتفاع أسعار المواد الغذائية منذ بدء الحرب في أوكرانيا.

الاستثمارات السابقة المرتبطة بالسياسة الخارجية لم تؤت ثمارها دائماً. ضخّ جهاز قطر للاستثمار، مليارات الدولارات في أصول روسية بما في ذلك شركة النفط الحكومية "روسفنت" (Rosneft) في العقد الماضي. تراجعت قيمة تلك الأصول حالياً.

شمل الدعم الذي قدمته قطر لمصر 8 مليارات دولار بعد انتفاضة الربيع العربي في عام 2011، عندما كان الإخوان المسلمون يديرون الحكومة. لم تدم حكومة الإخوان طويلاً، حيث أطاح الجيش المصري بالرئيس محمد مرسي في عام 2013.

أثار دعم قطر لمرسي في عهد الشيخ حمد والد الشيخ تميم انتقادات من دول الخليج الأخرى وكان من بين أسباب مقاطعتهم للدوحة بعد سنوات.