الولايات المتحدة على حافة أزمة إمدادات وقود

4 أشهر، 2 أسبوعين 168

تزيد اندفاعة سوق الطاقة الأمريكية الأعباء على المسافرين الأمريكيين وعلى الاقتصاد الأمريكي بشكل عام، بدءاً من أسعار البنزين القياسية، ومروراً بارتفاع أسعار تذاكر الطيران، ووصولاً إلى المخاوف من تقنين الديزل في المستقبل. لكنَّ المحرك الرئيسي لهذه الاندفاعة، ليس بسبب ارتفاع أسعار النفط الخام، أو حتى انتعاش الطلب. إنَّه ببساطة يتمثل في قلة عدد المصافي التي تحوّل النفط الخام إلى وقود صالح للاستخدام.

تراجعت طاقة تكرير النفط في البلاد بأكثر من مليون برميل يومياً، أو حوالي 5% بشكل عام، منذ بداية جائحة كورونا. في أماكن أخرى من العالم؛ تقلّصت الطاقة الإنتاجية بمقدار 2.13 مليون برميل إضافي يومياً، بحسب تقديرات شركة استشارات الطاقة "تورنر، مايسون آند كو" (Turner, Mason & Co). ومع عدم وجود خطط لبدء عمل محطات تكرير أمريكية جديدة، برغم أنَّ شركات النفط قد حقّقت أرباحاً قياسية؛ فإنَّ ضغط العرض سيزداد سوءاً.

قال جون أويرز، نائب الرئيس التنفيذي في شركة "تورنر، مايسون آند كو"، في دالاس: "نحن على حافة الهاوية. وعلينا الاستعداد لمواجهة أزمة إمدادات محتملة".

يحمل ضعف طاقة التكرير آثاراً وخيمة على المستهلكين في الولايات المتحدة وفي الأسواق العالمية. في الداخل الأمريكي، تواصل أسعار بيع البنزين بالتجزئة، تسجيل مستويات قياسية مرتفعة جديدة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع التضخم إلى واحد من أسوأ المعدلات التي شهدتها الأسر الأمريكية على الإطلاق. وفي الوقت ذاته؛ فإنَّ الساحل الشرقي على شفا التعرض لنقص الديزل، والذي يهدد بإعاقة سلاسل التوريد المرتبكة بالفعل، والتي عطّلت على مدى العامين الماضيين، تدفق كل شيء، من مواد البقالة الأساسية إلى إمدادات البناء.

العوامل التي تغذي نقص التكرير، لا تفاجئ أحداً؛ فمع تلاشي الطلب على البنزين ووقود الطائرات عملياً خلال ذروة الوباء؛ أغلقت الشركات بعض مصافي معالجة النفط الخام الأقل ربحية بشكل دائم. كما تأثر بعضها بالحرائق والانفجارات والأعاصير، فقد كانت عملية إصلاحها مكلفة للغاية، خصوصاً أنَّ التحوّل النهائي نحو طاقة أنظف، يجعل نموذج أعمالها طويل الأجل غير مربح، ويجعلها كذلك أقل جاذبية للمشترين المحتملين. من المقرر إغلاق ما يصل إلى 1.69 مليون برميل من طاقة التكرير الأمريكية، مقارنة بمستويات عام 2019، وذلك بحلول نهاية عام 2023، وفقاً لشركة "تورنر، مايسون آند كو".

اتساع فجوة العرض والطلب

في الوقت الذي تتقلّص فيه طاقة التكرير الأمريكية، جاءت الحرب في أوكرانيا لتوسّع حجم الفجوة بين العرض والطلب العالميين. ومع تجنّب العديد من الدول شراء الوقود الروسي في أعقاب الحرب؛ تقوم الولايات المتحدة حالياً بتصدير المزيد من الوقود الذي ينتجه أسطول من المصافي التي يتقلّص عددها باستمرار. تبحث أوروبا عن بدائل للديزل الروسي منذ بدء الحرب، في حين أنَّ الطلب على الوقود في أمريكا اللاتينية، وهي أكبر مشترٍ للمنتجات المكررة من الولايات المتحدة، قوي وآخذ في الارتفاع. أما الولايات المتحدة نفسها؛ فهي تستعد حالياً لارتفاع كبير في الاستهلاك خلال أشهر الصيف.

وفي هذا السياق، من المتوقَّع أن تحقق شركة "فاليرو إنيرجي" (Valero Energy)، أكبر قدر من تدفق السيولة من عملياتها، منذ بدء تداول أسهمها عام 1997. كذلك، من المتوقَّع أن تسجل "ماراثون بتروليوم" (Marathon Petroleum)، وهي أكبر شركة تكرير في الولايات المتحدة، أعلى هوامش ربح لها منذ عقد من الزمن، مع الإشارة إلى أنَّ أسهم الشركتين قد حققت حتى صباح الجمعة، المرتبة الثانية والمرتبة العاشرة كأفضل أداء على التوالي على مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" لهذا العام.

أظهرت بيانات "جمعية السيارات الأمريكية" المعروفة اختصاراً بـ"إيه إيه إيه" (AAA) يوم الجمعة أنَّ أسعار بيع التجزئة لكل من البنزين والديزل، ارتفعت إلى مستويات قياسية جديدة عند 4.432 دولار و5.56 دولار للغالون على التوالي. كما ارتفعت العقود الآجلة للبنزين في الولايات المتحدة إلى مستوى مرتفع جديد.

الابتعاد عن الوقود الأحفوري

في أنواع أخرى من الأسواق، من شأن زيادة الطلب ونقص العرض، أن يؤديا إلى مزيد من الاستثمار، خصوصاً في ظل الزيادة الكبيرة في الإيرادات النقدية التي تحققها الشركات. لكنَّ الخطط بعيدة المدى للتخلي عن الوقود الأحفوري، تقلل من توقُّعات الطلب، مما يجعل الشركات غير راغبة في دفع المليارات من الدولارات اللازمة لبناء محطات تكرير جديدة. كما أنَّ إعادة إحياء المصافي المتوقفة عن العمل؛ يمكن أن يكون مكلفاً للغاية، في وقت تتزايد فيه تكاليف البناء والعمالة في الولايات المتحدة. ومع كشف كاليفورنيا هذا الأسبوع عن خارطة طريق لخفض استخدام النفط بنسبة 91% من مستويات 2022 بحلول عام 2045، وتوجهات ولايات ومناطق أخرى للحد من استخدام الوقود الأحفوري خلال العقود المقبلة؛ يمكن لشركات التكرير ومستثمريها، فهم الإشارة بوضوح.

قال محلل "بلومبرغ إنتليجنس" فرناندو فالي: "لا شيء في البيئة الحالية يروّج للاستثمار في الوقود الأحفوري. تبلغ فترة استرداد معظم هذه الاستثمارات ما بين 15 إلى 20 عاماً".

على سبيل المثال، سيتعين على "فيليبس 66" (Phillips 66) إنفاق أكثر من مليار دولار لإعادة تشغيل مصفاة "ألاينس" (Alliance) في لويزيانا، والتي تم إغلاقها بعد الأضرار الناجمة عن إعصار "إيدا"، وفقاً لتقديرات "بلومبرغ إنتليجنس". كذلك، اختارت شركة "ليونديل باسيل إندستريز" (LyondellBasell Industries) إغلاق مصفاة هيوستن، في موعد لا يتجاوز نهاية عام 2023، بسبب مخاوف تتعلق بتكلفة تشغيل المنشأة التي يبلغ عمرها 104 أعوام. ويجري حالياً تحويل جزء من المصافي المغلقة إلى منشآت أصغر تعمل بالديزل المتجدد، بما في ذلك مصفاة "فيليبس 66" في روديو بولاية كاليفورنيا، والتي تم تأكيد تحوّلها هذا الأسبوع.

غياب المشترين

أما فيما يتعلّق ببيع هذه الأصول إلى مَن يمكنه زيادة الإنتاج؛ فلا أحد سيشتريها، حتى في الوقت الذي يجلس فيه لاعبو الصناعة على أكوام ضخمة من السيولة النقدية. وفي هذا السياق، قال جو غوردر، الرئيس التنفيذي لشركة "فاليرو" في مؤتمر عبر الهاتف مع المحللين في أواخر أبريل: "نشعر أنَّ لدينا عوائد أعلى، واستخدامات أفضل لرأس المال من توظيفها في شراء مصفاة معروضة في السوق في هذا الوقت".

من المؤكّد أنَّه قد يكون هناك بعض الراحة على نطاق صغير في المستقبل. عملت مصافي التكرير الأمريكية عند طاقة 90% الأسبوع الماضي، وستزيد هذه النسبة مع انتهاء أعمال الصيانة الموسمية هذا الشهر. يمكن لبعض الوحدات بعد ذلك تشغيل 10% أو 20% أكثر من قدرتها العادية لزيادة الإنتاج إلى الحد الأقصى على المدى القصير. لكن هذا المعدل لا يمكن تحمّله دون المخاطرة بوقوع أضرار. يركّز عدد قليل من المصافي أيضاً على إزالة الاختناقات، أو حتى إضافة وحدات جديدة داخل المرافق الحالية لتعزيز الطاقة الإنتاجية، برغم أنَّها تمثل انخفاضاً في حجم الإنتاج مقارنة بالمجموع المفقود بالفعل. لكن هذا لن يحدث حتى عام 2023 أو 2024.

لخّص فالي من "بلومبرغ إنتليجنس" الوضع، وقال: "تم إغلاق الكثير من طاقة التكرير أثناء الوباء. ومن المرجح أن يستمر نقص الديزل وارتفاع الأسعار".