انسحاب مالي من دول مجموعة الساحل

4 أشهر، 2 أسبوعين 805

جاء إعلان مالي انسحابها من مجموعة الخمس لدول الساحل ليفاقم التحديات الكثيرة التي تواجه دول منطقة الساحل الإفريقي.

وتشكَّلت المجموعة في 2014 فيما شكَّلت قوتها لمكافحة المسلحين في عام 2017، وتتألف من 5 أجهزة، هي مؤتمر قادة الدول، ومجلس الوزراء، والأمانة التنفيذية، ولجنة الدفاع والأمن، ولجان التنسيق الوطني لتحركات دول مجموعة الساحل.

وبعد إعلان مالي انسحابها، باتت المجموعة تضم الآن 4 دول هي موريتانيا وتشاد وبوركينا فاسو والنيجر، في تقليص ينذر بتقويض أنشطتها لإحلال السلام في المنطقة.

وبرَّرت الحكومة المالية الانسحاب برفض دول المجموعة تولي باماكو للرئاسة الدورية للمجموعة، متهمة في بيان المجموعة بأنها ضحية "تسييس" هيئاتها التي تعاني "خللاً خطيراً".

وكان من المفترض أن تستضيف باماكو في فبراير 2022 قمة تكرس "بداية الرئاسة المالية لمجموعة دول الساحل الخمس" إلا أنه "بعد مرور نحو 3 أشهر" على الموعد "لم يعقد" الاجتماع، وفق بيان الحكومة.

لكن هذا السبب المعلن يظل في النهاية جزءاً من تراكمات لعدد من العوامل التي أسهمت مجتمعة في القرار المالي بالانسحاب.

الخلافات المالية الفرنسية

ولعلَّ أبرز هذه العوامل الخلافات الفرنسية المالية التي تصاعدت منذ انقلاب 24 مايو 2021، وقادت في النهاية إلى إعلان باريس في فبراير الماضي الانسحاب العسكري الكامل من مالي، احتجاجاً على ما وصفته بـ"الهيمنة العسكرية على المشهد السياسي في البلاد، وعلاقات حكومة باماكو بالمجموعات الروسية".

وقال الخبير في الشؤون الإفريقية إسماعيل الشيخ سيديا، لـ"الشرق" إن الحكومة المالية تعتقد أن فرنسا هي من تقف وراء عدم تسليمها الرئاسة الدورية لمجموعة دول الساحل.

 

واعتبر الباحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية حمزة أعناو أن إعلان مالي انسحابها من المجموعة "نتيجة طبيعية لمجموعة من القرارات التي اتخذتها منذ تولي المجلس العسكري الحكم في 2020"، لافتاً إلى أن فرنسا بالنسبة للدولة الإفريقية لا تزال تشكل "جسماً غريباً". 

وأشار أعناو إلى أن الانسحاب هو "نتيجة لتراكمات سياسية واقتصادية لأنَّ دول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس) فرضت مجموعة من العقوبات على مالي، وضيقت عليها اقتصادياً، بتأثير من اللوبي الفرنسي الذي يتزعَّم هذه الدول"، على حد تعبيره.

وكانت الحكومة المالية اتهمت المجموعة بـ"فقدان الاستقلالية" مشيرة إلى ما وصفته بـ"مناورات دولة خارج الإقليم ترمي بشدة إلى عزل مالي" من دون تسمية هذه الدولة.

الخلافات الداخلية

تكمن أيضاً وراء الانسحاب الاختلافات الداخلية بين أعضاء المجموعة، إذ تبنت بعض دولها، مثل النيجر، مواقف متشددة تجاه قادة الانقلاب العسكري في مالي، ما أدى إلى توتير العلاقات بين البلدين.

وفي بيان الانسحاب، تحدثت باماكو عن "رفضها بشدة ذريعة دولة عضو في مجموعة دول الساحل الخمس تستند إلى الوضع السياسي الداخلي لمعارضة تولي مالي رئاسة المجموعة"، من دون أن تسمي هذه الدولة.

ورجَّح الباحث في الشؤون الاستراتيجية العقيد ركن متقاعد البخاري محمد مؤمل أن تكون النيجر هي الدولة المقصودة هنا، مشيراً في تصريحات لـ"الشرق" إلى أنَّ نيامي مثل باريس "نددت بقوة بالانقلاب ودعمت الحصار الاقتصادي السياسي المفروض على مالي من قبل مجموعة غرب إفريقيا".

وبسبب تشابه الأوضاع الاقتصادية والسياسية بين البلدين الجارين في غرب إفريقيا، تبنت الحكومة النيجرية مقاربة متشددة تجاه قادة مالي الجدد منعاً لامتداد ظاهرة الانقلابات العسكرية إليها، خصوصاً بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها البلاد في مارس 2021.

وباتت النيجر المركز الرئيس لنشاط القوات الفرنسية والأوروبية بعد إعلان باريس إنهاء عمليتها في مالي، حيث أصبحت البلاد بمثابة "الملاذ الأخير" في منطقة الساحل لهذه القوات، وفقاً لقناة "فرانس 24" الفرنسية.

مشكلات مجموعة الساحل

من أسباب الانسحاب أيضاً، الإشكاليات التي تعانيها مجموعة دول الساحل الخمس، إذ اعتبرت الحكومة المالية أنَّ المجموعة لم تحقق تقدماً في محاربة المسلحين.

وواجهت مجموعة دول الساحل منذ تأسيسها اختلالات هيكلية، بما في ذلك مشكلات تتعلق بتدني الموارد البشرية والمالية، وضعف الدعم اللوجيستي، والتنسيق بين الدول الأعضاء.

وبين حين وآخر، تتعرَّض القوات التابعة للمجموعة إلى اتهامات بانعدام المصداقية والمحاسبة، وسط مزاعم بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان في الإقليم، بما في ذلك القتل خارج نطاق القضاء، والاعتقالات التعسفية، والاحتجاز، والمعاملة السيئة، وذلك وفقاً لما كشفه تقرير للمفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.