انطلاق مهرجان كان السينمائي

6 أشهر، 3 أسابيع 287

وأخيراً ينطلق "مهرجان كان السينمائي"، مساء الثلاثاء، بعد سنتين من الإلغاء والإرجاء والحرب الدائرة رحاها في قلب أوروبا، وجولتين للانتخابات الرئاسيّة الفرنسية أججت المخاوف من صعود اليمين. 

22 فيلماً في البرنامج الرسمي، يتنافس 21 منها على السعفة الذهبية وجوائز المهرجان الأخرى، وعددٌ كبير من المخرجين المخضرمين الذين نالوا سعفة ذهبيةً أو أكثر، سيتواجهون مع مخرجين شباباً وواعدين، حقّقوا في السنوات السابقة حضوراً لافتاً ونالوا جوائز في برامج المهرجان الأخرى، كالدانماركي (إيراني الأصول) علي عبّاسي، الذي أثار الانتباه إلى عمله بعد فيلمه اللافت "الحدود"، والذي نال به جائزة أفضل فيلم ضمن برنامج "نظرةٌ ما" في عام 2019، ويعود إلى المهرجان هذا العام بفيلم جديد عنوانه "هولي سبايدر".

وفيما واصل عمّال الطرق والتأثيثات العمل حتى الساعات الأخيرة لوضع اللمسات النهائية وتحويل المدينة وشارع "الكروازيت" إلى ما يُشبه ساحة الاحتفالات الكبرى، التي ستكون الجحافل السائرة فيها مكوّنةً من نجومٍ ومخرجين من كل الجنسيّات والأعراق واللغات، إلاّ أن الاحتفال الأكبر، هو ما ستشهده شاشات المهرجان من عروضٍ سينمائيّة متميّزة، ستحمل مخرجيها ونجومها خلال الشهور المقبلة إلى الترشّح لجوائز "الأوسكار" و"الغولدن غلوب" و"البافتا" والجوائز الأخرى، وسيفوز البعض منها بتلك الجوائز.

وفي منتصف مايو من كل عام ، منذ 76 سنة، تتحوّل مدينة كان الفرنسية الواقعة على الشاطئ اللازوردي، إلى عاصمة للسينما العالمية، وتشهد شاشات المهرجان لأسبوعين متواصلين غالبية ما سنشاهد خلال العام الجاري والأعوام المقبلة.

شيءٌ من التاريخ

لكن، وقبل انطلاق المهرجان، لنعُدْ خطوةً إلى الوراء، إلى تاريخه. فكيف وُلد مهرجان كان وما هي  الأسباب الحقيقية وراء تأسيسه؟.

وتشير المعلومات التاريخيّة إلى أن هذا المهرجان وُلد كردّة فعل أو ربّما أيضاً، كـ "غيرة" قوميّة، حين أدرك الفرنسيون مخاطر ما كان يجري في برلين وروما في منتصف القرن الماضي، وقبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بقليل، حيث عمَد أدولف هتلر وبنيتو موسوليني إلى إيلاء اهتمام خاصٍ للسينما كأداة للدعاية السياسية والأيديولوجية ولحشد الجموع، ووفرا ميزانيات وبنى كثيرة وإمكانيات كبيرة لصناعة السينما في بلديهما. واستفادت السينما في ألمانيا وإيطاليا من ذلك حتى بعد انهيار النظامين في برلين وروما.

وحفز التدخل الكثيف لهذين النظامين بالذات في المنظومة السينمائية في بلديهما، وزير التعليم والفنون الجميلة الفرنسي آنذاك جان زي لفكرة إنشاء مهرجان سينمائي دولي، وأطلقه في يونيو 1939، وأقنع أحدَ مخترِعَي السينما، لوي لوميير لتولّي رئاسة الدورة الأولى من المهرجان، التي كان من المفترض إقامتها في الفترة من 1 إلى 30 سبتمبر من ذلك العام. إلاّ أن إعلان فرنسا والمملكة المتحدة الحرب على ألمانيا في 3 سبتمبر وأد تلك الدورة الأولى من هذا المهرجان، بشكلٍ مُبكّر ولم تُقم الدورة الأولى الحقيقيّة إلا في سبتمبر 1946.

ومنذ ذلك الحين أصبح "مهرجان كان السينمائي" أحد أهم الأحداث السينمائية في العالم جنباً إلى جنب مع المهرجان الأعرق في العالم، "مهرجان البندقية السينمائي الدولي" الذي انطلق في  أغسطس 1932.

3 توقفات

لم يتوقّف المهرجان عن الانعقاد إلا 3 مرّات فحسب، كانت الأولى بين عامي 1948 و1950 بسبب مشاكل في الميزانية، سرعان ما تم تجاوزها.

وكانت المرة الثانية في عام 1968 بسبب اندلاع ثورة الطلبة والشباب في ما عُرف بربيع باريس، فاستقالت النجمة الايطالية مونيكا فيتي من لجنة التحكيم، وتبعها في ذلك محكّمون آخرون، واقتحم عدد من السينمائيين قاعة قصر المهرجان، ومن بينهم، لوي مال، وفرانسوا تروفو، وكلود بيري، وجان غابرييل ألبيكوكو، وكلود ليلوش، ورومان بولانسكي، وجان لوك غودار، وطالبوا بوقف العروض تضامناً مع العمال والطلبة المضربين، فتوقف المهرجان ولم تُمنح فيه أي جوائز.

أمّا الإرجاء الثالث، وهو الأحدث الذي وقع في العام ما قبل الأخير، إذ أُلغيت الدورة الثالثة والسبعون المقررة في مايو 2020، فيما عقدت دورة العام الماضي بشكلٍ استثنائي من 6 إلى 17 يوليو 2021.  

وستظل الدورة الماضية عالقةً في الأذهان، ليس لأهمية الأفلام التي عرضت فيها، بل للانحسار الكبير في حضور السينما الهوليودية والنقاد والجمهور، إضافة إلى حدثٍ وقع في ليلة الختام، وهو ما يعتبره منظمو مهرجانات ومسابقات السينما، "خطيئة لا تُغتفر"، وهو عندما أعلن رئيس لجنة التحكيم الدولية سبايك لي عن اسم الفيلم الفائز بالسعفة الذهبية قبل الأوان المتفق عليه، وحتى قبل البدء بالإعلان عن الجوائز الثانويّة.

"دورة الميلاد"

أما الدورة الحاليّة، والتي توحي باحتمالات عودة حياة هذا المهرجان إلى الحالة المعتادة، فإنّها تبدو، أو ربّما يتمنى الجميع، بأن تكون دورة الميلاد الجديد، التي قد يتعامل مع السينما بعدها بشكلٍ جديد، آخذاً في الاعتبار جميع المعطيات التقنيّة واللوجستية والمتغيّرات الحاصلة عند الجمهور مع الفيلم بشكل عام، ومع مصائر صالات السينما، بشكل خاص. 

يشير المخرج السويدي الراحل إنغمار بيرغمان الى جمال السينما ويقول "لا وجود لفنٍ مثل السينما يمسّ الضمير ويهز المشاعر ويبلغُ أعمقَ مجاهل الروح الانسانية".