تدبر شركة آبل (Apple)، عملاق التكنولوجيا العالمي، بهدوء أهم انتقال قيادي لها منذ أكثر من عقد، وفي قلب تخطيط الخلافة في منتزهها الدائري “سفينة الفضاء” تجلس وجوه اعتادها الجمهور عمّرت لـ14 عاماً، مثل تيم كوك الرئيس التنفيذي الحالي، وكبار مديري الشركة، برز اسم لم يكن مألوفاً خارج أسوار المقر بمدينة كوبرتينو حتى وقت قريب وهو جون تيرنوس، المرشح بقوة لقيادة الشركة الأميركية خلفاً لكوك. آبل واحدة من أكبر شركات تكنولوجيا المعلومات من حيث الإيرادات، وثاني أكبر شركة في العالم من حيث القيمة اعتباراً من مايو/أيار 2022، ورابع أكبر بائع لأجهزة الكمبيوتر الشخصي، وهي واحدة من الشركات القليلة المدرجة في البورصات الأميركية التي تجاوزت قيمتها السوقية 4 تريليونات دولار، لتنضم إلى شركتي التكنولوجيا العملاقتين “إنفيديا” و”مايكروسوفت”.

على خطى جوبز
تيرنوس الرجل الخمسيني بملامح هادئة، لا يملك كاريزما استعراضية على طريقة ستيف جوبز، لكنه يمسك بأعقد ملف في الشركة، كل ما هو حديد ومعدن ودوائر في أجهزة آيفون وآيباد وماك وآبل ووتش وسماعات “إيربودز”، مع لقب رسمي هو نائب الرئيس الأول لهندسة العتاد منذ عام 2021، تحت إمرة الرئيس التنفيذي تيم كوك مباشرة. هذا الصعود لم يهبط على جون تيرنوس من فراغ، بل بدأ من قاعة محاضرات في جامعة بنسلفانيا، حيث اختار دراسة الهندسة الميكانيكية، وحصل عام 1997 على درجة بكالوريوس العلوم في الهندسة، لم يكن وقتها مجرد طالب يجلس في الصفوف الخلفية، بل كان أيضاً جزءاً من فريق السباحة للرجال في الجامعة، وهي تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تقول الكثير عن شخصية اعتادت الانضباط، والالتزام بروتين قاس، والاشتغال ضمن فريق، وهي صفات ستُستدعى لاحقاً عندما يقود مئات المهندسين في آبل لبناء أجهزة بمليارات الدولارات.
بعد تخرجه، بدأ تيرنوس مسيرته المهنية بعيداً عن الأضواء في شركة “فيرتشوال ريسرتش سيستمز” (شركة أميركية متخصّصة في حلول الواقع الافتراضي)، حيث عمل مهندساً ميكانيكياً على تطوير خوذات الواقع الافتراضي في وقت كانت هذه التقنيات لا تزال في أطوارها الأولى. هناك تعلم التعامل مع منتجات تحتاج إلى دقة هندسية عالية، وتكامل بين المكونات الميكانيكية والإلكترونية، وتجربة مستخدم حساسة لأدق التفاصيل، وهي أشبه ببروفة مبكرة لما سيفعله لاحقاً في آبل، ولكن على نطاق أوسع بكثير.

 

الرحلة مع آبل
التحوّل الحقيقي في مسار تيرنوس جاء عام 2001، عندما انضم إلى آبل عضواً في فريق تصميم المنتجات، في مرحلة كانت فيها الشركة تحت تأثير عودة ستيف جوبز، وتعيش بدايات ثورتها الحديثة مع “آي بود” و”آي ماك”، لم يدخل تيرنوس من باب التسويق أو التمويل، بل من قلب الورشة التي تحول الرؤى إلى معدن وزجاج وبلاستيك. وفي ثقافة آبل، يملك فريق تصميم المنتجات وزناً خاصاً، لأنه يجلس في نقطة التقاء بين التصميم الصناعي والهندسة، وهناك بنى تيرنوس سمعته داخل الشركة بصفته مهندساً يقدّر التفاصيل الصغيرة، ويستطيع في الوقت نفسه أن يرى الصورة الأكبر للمنتج.
مع مرور السنوات، بدأ هذا المهندس الصاعد يقطع درجات السلم الإداري بصمت، إلى أن أصبح عام 2013 نائباً لرئيس هندسة العتاد، تحت إدارة دان ريتشيو، وهو المنصب الذي وضع بين يديه مسؤولية تطوير حواسيب ماك، وأجهزة آيباد، وسماعات “إيربودز”، أي جزء كبير من العمود الفقري لأعمال آبل في سوق الأجهزة. في هذه المرحلة صار اسمه يظهر كثيراً في الكواليس كلما كثر التشويق للأجيال المتعاقبة من أجهزة آبل في سوق السمعيات.

آيفون نقطة التحول
عام 2020 شكّل نقطة اختبار جديدة لقدرته على تحمّل ملفات أكبر، حين أُسندت إليه مسؤولية هندسة عتاد آيفون، وهو منتج لا يمثل مجرد هاتف ذكي في محفظة آبل، بل هو عمود الأرباح، وصورة العلامة التجارية أمام المستهلكين. كان هذا الملف يخضع سابقاً لإشراف مباشر من دان ريتشيو، ما يعكس حجم الثقة التي منحتها الإدارة لجون تيرنوس، وقدرته على الموازنة بين المخاطرة والموثوقية في منتج يبيعه ملايين المرات سنوياً حول العالم. وبعد ذلك بعام واحد فقط، في يناير/كانون الثاني 2021، رقي إلى منصب نائب الرئيس الأول لهندسة العتاد، فبات الرجل الذي تقف عند مكتبه كل قرارات العتاد في آيفون وآيباد وماك، ثم أضيف إلى صلاحياته في أواخر 2022 الإشراف على هندسة ساعة آبل، لتكتمل دائرة مسؤوليته على معظم أجهزة الشركة الاستراتيجية.
مع توسّع مسؤوليات جون تيرنوس، بدأ الاهتمام الإعلامي بشخصه يزداد. نعتته “بلومبيرغ” بـ”بصاحب الشخصية الكاريزماتية المحبوبة” داخل أروقة الشركة، وهي أوصاف نادراً ما تسند إلى مدير عتاد في شركة تكنولوجية بهذا الحجم. وفي السنوات الأخيرة، تكاثرت التوقعات التي تقدمه أحد أبرز المرشحين لخلافة تيم كوك على كرسي الرئاسة التنفيذية، خصوصاً مع انتقال بعض الأسماء البارزة الأخرى إلى أدوار جديدة أو قربها من سن التقاعد، ومع حاجة آبل إلى قائد يفهم، من الداخل، كيف تُبنى الحلقة المعقّدة بين العتاد والبرمجيات والخدمات التي صارت جوهر نموذجها الاقتصادي.

تيرنوس خليفة لكوك
وتنقل “فاينانشال تايمز” عن مصادر على دراية بالأمر، القول “يُنظر على نطاق واسع إلى جون تيرنوس، نائب الرئيس الأول لهندسة الأجهزة البالغ من العمر 50 عاماً، باعتباره الخليفة الأرجح لكوك، إلا أنه لم يجر اتخاذ أي قرار نهائي بعد”.
ووفق تلك المصادر من المستبعد أن تعلن شركة آبل، التي تبلغ قيمتها السوقية 4 تريليونات دولار، عن اسم الرئيس التنفيذي الجديد قبل تقرير نتائج أعمالها المقبل في أواخر يناير/كانون الثاني، مما يتيح للإدارة الجديدة وقتاً للتأقلم قبل الفعاليات السنوية.
لكن تيرنوس إذا وصل إلى قمة هرم آبل لن يجد البساط الأحمر مفروشاً وباقة الورد تنتظره، فليس كل ما يلمع ذهباً في عالم الأعمال، فشركة آبل لا تزال تغوص في صور معقدة من الدعاوى القضائية والاتهامات المتعلقة بالاحتكار، ودرجها مثقل بملفات البيئة والعمل والضرائب، وسيكون عليه إذا خلف تيم كوك أن يثبت قدرته على توسيع رؤيته من هندسة العتاد إلى هندسة الشركة بأكملها.

مهام مختلفة
تيرنوس الذي قضى أكثر من عقدين وهو يضبط إيقاع العمل، ويعيد تصميم الماك والآيفون، سيجد نفسه مضطراً هذه المرة إلى إعادة تصميم العلاقة مع المشرعين وهيئات مكافحة الاحتكار، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا، خاصة بعد الدعوى الكبيرة التي رفعتها وزارة العدل الأميركية عام 2024، وغرامة الاتحاد الأوروبي التي تجاوزت ملياري دولار في مارس/آذار 2024 لإساءة آبل استخدام نفوذها السوقي في متجر التطبيقات. التحدّي بالنسبة لتيرنوس لن يكون تقنياً بقدر ما هو سياسي وتنظيمي، فهو مطالب بالحفاظ على نموذج “النظام المغلق” الذي يمنح آبل تفوّقها التجاري، وتجربة المستخدم المتكاملة، وفي الوقت نفسه يخفف من حدّة الممارسات التي تُتهم بأنها تخنق المنافسة، مثل القيود على المطورين، أو التحكم في طرق الدفع، واستخدام القطع الخاصة التي تعرقل “حق الإصلاح”، وتثير غضب المشرعين وحركات المستهلكين.
تيرنوس في حال خلافته تيم كوك عليه أن يبرهن أنه ليس فقط مهندساً بارعاً في تقليل سماكة جهاز أو زيادة عمر البطارية، بل مديراً قادراً على ربط نجاح العتاد برفاهية العاملين، واحترام البيئة والشفافية الضريبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *