أكدت تقارير مالية حديثة أنّ عام 2026 قد يشهد تحوّلاً جذرياً في طريقة تقييم الشركات داخل أسواق المال باستخدام الذكاء الاصطناعي. فبعد عامين من صعود غير مسبوق للقيم السوقية لشركات مثل “إنفيديا”، بدأت مؤسسات الاستثمار الكبرى، وعلى رأسها “غولدمان ساكس”، بإعادة صياغة أدوات التقييم، والبحث عن الجهة التالية التي ستستفيد من الثورة التقنية، ليس من خلال بناء الذكاء الاصطناعي، بل من خلال استخدامه لخفض التكاليف وتعظيم الكفاءة التشغيلية. ووفقاً لمؤسسة “غولدمان ساكس” المصرفية الاستثمارية، فإنّ 2026 سيكون العام الذي يعاد فيه تشكيل قواعد الاستثمار العالمية، ويتحوّل فيه المستثمرون من مطاردة أسهم البنية التحتية إلى مطاردة الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، لا تلك التي تبنيه فقط.
وقال تقرير لموقع بنزينغا الأميركي، في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، إنّ 47% من شركات مؤشر إس آند بي 500 ذكرت الذكاء الاصطناعي في مكالمات أرباح الربع الثالث، لكن المفاجأة الكبرى، بحسب التقرير، أنّ نسبة صغيرة جداً فقط قدّمت أرقاماً دقيقة حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الأرباح أو الإنتاجية. أما الشركات التي قدمت بيانات ملموسة، مثل “سيرفيس ناو” و”سي إتش روبنسون”، فقد كشفت عن ارتفاع مباشر في الهوامش التشغيلية، مما يعزز قناعة المستثمرين بأن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي ستأتي من تحسين الإنتاجية لا من بيع البنية الرقمية.
ويؤكد “غولدمان ساكس” أنّ الأسواق تعيش فجوة لافتة بين حجم الضجيج المحيط بالذكاء الاصطناعي وبين عدد الشركات التي نجحت فعلياً في تحويله إلى أرباح. فمعظم ما يقال لا يزال نظرياً، فيما تتمثل القيمة الحقيقية في المؤسسات التي استطاعت دمج التقنيات الذكية داخل عملياتها التشغيلية. وهذه الفئة، وفق البنك الأميركي، ستكون المحرك الرئيسي للموجة المقبلة من النمو، ولا سيما في القطاعات التي تعتمد على العمالة بكثافة وتملك هامشاً واسعاً لخفض التكاليف ورفع الإنتاجية عبر الأتمتة.
وتشير تحليلات “بنزينغا” إلى أنّ عام 2026 سيشهد تحولاً جوهرياً في طريقة اختيار المستثمرين لأسهمهم، بعدما انتقلت بوصلة الاهتمام من شركات بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى الشركات القادرة على تحقيق مكاسب تشغيلية مباشرة منه. فالمستثمرون، وفق الموقع، باتوا يبحثون عن ثلاث مزايا محددة؛ هي قدرة المؤسسات على خفض تكاليف العمالة عبر الأتمتة الذكية، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد باستخدام خوارزميات التنبؤ بالطلب، وتوسيع الخدمات الرقمية دون الحاجة لزيادة موازية في الكادر البشري. ويعتبر هذا التحول إشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد عنوان تقني، بل معياراً لقياس جدوى الشركات وقدرتها على تحقيق تحول تشغيلي ملموس.
وفي موازاة ذلك، توضح تقارير “غولدمان ساكس” أنّ الشركات المرشحة لقيادة موجة الاستثمار المقبلة هي تلك التي تستوفي ثلاثة شروط أساسية، هي أن تكون ضمن أعلى ربع الشركات من حيث ارتفاع تكلفة العمالة مقارنة بالإيرادات، وأن تتضمن وظائفها الداخلية نسبة كبيرة من المهام القابلة للأتمتة، وأن تكون قد ناقشت خلال 2025 تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن سياق رفع الإنتاجية وليس فقط كعنوان دعائي.
وهذه المعايير أعادت رسم خرائط الأسهم المفضلة لدى الصناديق الكبرى، حيث يتوقع “غولدمان ساكس” أن تأتي الفئة التالية من الفائزين من قطاعات التمويل، والخدمات المهنية، والرعاية الصحية التقنية، وهي شركات لم تكن في مقدمة موجة الذكاء الاصطناعي خلال العامين الماضيين، لكنها تستعد لأن تصبح محركاً رئيسياً لعوائد الاستثمار في 2026.
وتظهر التقارير المالية الأميركية أن المستفيدين المحتملين من موجة الذكاء الاصطناعي في 2026 يتوزعون على أربع مجموعات رئيسية، تبدأ بقطاع البنوك مثل “بنك أوف أميركا” و”كي كورب” و”بي إن سي” و”زيون بانكورب”، حيث يتوقع أن يخفض الذكاء الاصطناعي تكاليف التشغيل في وحدات المعالجة الخلفية وتدقيق الهوية والردود الآلية، ما يعزز الهوامش في قطاع يعاني أصلاً من تراجع الربحية. يلي ذلك قطاع الخدمات الرقمية والاستشارات، مع شركات مثل “إكسنتشر” و”كوغنيزانت” و”إي بي إيه إم” التي دمجت الأتمتة الذكية في بنيتها الداخلية ووسعت خدماتها الخارجية، لتصبح الأكثر قدرة على الاستفادة المزدوجة من التحول القادم.
أما شركات الخدمات المالية الاستهلاكية، مثل “إتش أند آر بلوك” و”روكت فاينانس”، فتواجه انتقالاً جذرياً في نموذج أعمالها بحكم اعتمادها على قوى عاملة كبيرة يمكن استبدال جزء كبير من مهامها بالذكاء الاصطناعي. وتختتم المشهد شركات علوم البيانات والقطاع الصحي، مثل “فيفا سيستمز” و”آي كيو في آي آي” و”سيرتارا”، حيث تعد إدارة التجارب السريرية والمحاكاة وتحليل البيانات الطبية أرضاً خصبة لحلول الذكاء الاصطناعي، ما يجعلها في مقدمة ثورة الإنتاجية المرتقبة في 2026.
