تشهد الأسواق المالية حول العالم موجة من التقلبات تعكس عمق حالة عدم اليقين والمخاطر التي تزداد رسوخًا في النظام الاقتصادي العالمي. فالصعود الأخير في أسعار الأسهم لا يعني بالضرورة تحسّنًا في الأسس الاقتصادية، بقدر ما يُظهر هشاشة التوازن بين الطموحات الاستثمارية الجديدة والمخاطر المتراكمة. فمن جهة، تتدفّق مئات المليارات من الدولارات إلى قطاع الذكاء الاصطناعي الذي يوصف بأنه محرّك الثورة الاقتصادية المقبلة، وسط تحذيرات من تحوّله إلى فقاعة مالية تشبه فقاعة الإنترنت مطلع الألفية. ومن جهة أخرى، ينتشر استخدام العملات المشفّرة في الأنظمة المصرفية التقليدية رغم الانهيارات الحادة التي شهدتها قيمتها السوقية، في وقت تتزايد فيه حالات الإفلاس الناتجة من التوسع في الإقراض عالي المخاطر من قبل البنوك الموازية، وحتى بعض البنوك التقليدية.
إلى جانب ذلك، تواصل الحكومات، وفي مقدمتها حكومة الولايات المتحدة، مراكمة مستويات غير مسبوقة من الديون، بينما تثير السياسات الاقتصادية المتقلبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب قلق الأسواق والمستثمرين. ويضاف إلى ذلك احتمال أن تُقوّض المحكمة العليا ركيزة أساسية من سياسات إدارته، وهي الرسوم الجمركية، باعتبارها مخالفة للدستور.
وفي السياق، يقول أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، كينيث روغوف، إن ما يثير الدهشة هو انخفاض مؤشرات تقلب السوق لفترة طويلة، رغم أن تقييمات الأسهم لا تعكس المخاطر الفعلية في النظام المالي. وبرأيه، فإن ارتفاع مؤشر S&P 500 بنسبة 14% هذا العام لا يعكس توقعات نمو حقيقية، بل يُظهر رهان الشركات على تقليص العمالة وزيادة الأرباح بفضل الذكاء الاصطناعي، وفق ما نقلت ” نيويورك تايمز”. ويشير روغوف إلى أن بناء مراكز البيانات الضخمة يغذي النمو مؤقتًا، لكنها بمجرد اكتمالها لن توفّر سوى عدد محدود من فرص العمل. مثال ذلك مشروع ستارغيت الذي تنفذه شركة أوبن إيه آي في تكساس، أكبر مركز بيانات في الولايات المتحدة.
فقاعة ذكاء اصطناعي أم ثورة اقتصادية جديدة؟
يعتبر كثيرون أن الحماس الحالي تجاه الذكاء الاصطناعي يُذكّر بتاريخ الرأسمالية في عصور التحوّلات الكبرى. فكما بدّلت السكك الحديدية وجه الاقتصاد في القرن التاسع عشر، فإن هذه التقنية تعد بنقلة نوعية، لكنها قد تترك ضحايا كثيرين في طريقها. وتشير المقارنات إلى أن المستثمرين اليوم يكررون أخطاء الماضي حين افترضوا أن أسهم السكك الحديدية كانت مضمونة لتحقيق ثروة، لكنها لم تكن كذلك للجميع. وتبدو التقييمات الفلكية لشركات مثل إنفيديا، التي تجاوزت قيمتها السوقية خمسة تريليونات دولار، مبنية على توقعات بنمو لا ينتهي. ويحذر محللون من أن عدداً من هذه الشركات الكبرى يجري معاملات مالية في ما بينها ترفع قيمتها بصورة مصطنعة، ما يجعل السوق أشبه بدائرة مغلقة من الرهانات المتبادلة.
التمويل الخفي وتراجع الضوابط
تعتمد أسعار الأسهم المرتفعة أيضًا على قروض من مؤسسات مالية تُعرف بـ”البنوك الموازية”، وهي خارج نطاق الرقابة التنظيمية التقليدية، ما يجعل تقدير حجم المخاطر صعبًا للغاية. والأخطر أن إدارة ترامب ألغت العديد من الضوابط التي كانت تحمي المدخرات طويلة الأمد، مثل قيود استثمار صناديق التقاعد، ما سمح بتوجيه الأموال نحو العقارات والعملات المشفّرة وصناديق الأسهم الخاصة. هذا المزج بين الأصول عالية المخاطر يهدد بإضعاف الجدران التي بُنيت بعد أزمة 2008 لحماية النظام المالي من الانهيارات المتسلسلة.
