تواصل السلطات الليبية تكثيف جهودها لتوسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني في الأسواق، وسط ضغوط رقابية متزايدة وحملات مقاطعة شعبية تستهدف الأنشطة التجارية التي ترفض اعتماد نقاط البيع أو الالتزام بالخدمات المصرفية المعتمدة. وأصدرت وزارة الاقتصاد في حكومة الوحدة الوطنية، الأسبوع الماضي، بياناً يقضي بإلزام جميع الأنشطة التجارية والشركات والتوكيلات الملاحية باستخدام وسائل الدفع الإلكتروني، في خطوة رسمية تهدف إلى تنظيم النشاط التجاري وتعزيز منظومة الدفع الرقمي في البلاد. ويستند القرار إلى التشريعات النافذة، وعلى رأسها قانون العقوبات الليبي وتعديلاته، والقانون رقم (1) لسنة 2005 بشأن المصارف، والنظم الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي، بالإضافة إلى القانون رقم (23) لسنة 2010 بشأن النشاط التجاري ولائحته التنفيذية، وأحكام المادة (167) من قانون العقوبات التي تنص على معاقبة كل من يخالف الأوامر المشروعة لحفظ العدالة والنظام والسلامة العامة.

وأكدت الوزارة أن الالتزام باستخدام وسائل الدفع الإلكتروني أصبح شرطاً أساسياً لمزاولة الأنشطة التجارية، بما في ذلك شركات التوكيلات الملاحية، مشيرة إلى أن أي نشاط يثبت امتناعه عن قبول الدفع الإلكتروني سيواجه إجراءات قانونية صارمة، بما يشمل سحب أذونات مزاولة النشاط أو إلغاءها. ويؤكد جهاز الحرس البلدي أنه نسّق مع المصارف لتسهيل فتح الحسابات للتجار، فيما دعا المواطنين إلى الإبلاغ عن أي متجر يرفض الدفع الإلكتروني. وقال مسؤول الإعلام بالجهاز، محمد الناعم، لـ”العربي الجديد” إن حملات المقاطعة التي أطلقها مواطنون ضد بعض السلاسل الغذائية بعد رفضها قبول البطاقات تعكس إدراكاً شعبياً متزايداً بأهمية التحول الرقمي، لكنه أقر بأن حجم المقاطعة يصعب قياسه بدقة، نظراً إلى تفاوت السلوك التجاري بين المناطق.

مقاومة التجار
وبينما تسعى الدولة لتعميم نظام الدفع الإلكتروني أداةً لضبط السوق وتعزيز الشفافية، يظل التحدي الأكبر يكمن في مزيج من مقاومة التجار، ضعف البنية التشريعية، واعتماد بعض الأنشطة على النقد في المعاملات اليومية، ما يجعل الانتقال الكامل نحو الاقتصاد الرقمي مساراً تدريجياً ومعقداً. في أسواق طرابلس العاصمة وسبها (جنوب)، وبنغازي (شرقاً) تتباين آراء أصحاب المحال التجارية بشأن الدفع الإلكتروني، في وقت تضغط فيه السلطات الليبية لتسريع الانتقال نحو منظومة مالية رقمية وسط حملة رسمية تهدف إلى تقليص الاعتماد على النقد. وبينما تتوسع نقاط البيع والتطبيقات المصرفية في المدن الكبرى، لا تزال شريحة من التجار تُبدي تحفظات على هذا التحوّل الذي بات جزءاً من سياسة حكومية أوسع لتنظيم الأسواق.

في حي الأندلس بطرابلس، يقول طارق عزيز، صاحب متجر للمواد الغذائية، لـ”العربي الجديد” إن الانتقال إلى الدفع الإلكتروني يفرض تكاليف إضافية على التجار، مضيفاً: “هناك رسوم على العمليات، ورسوم على نقاط البيع، إضافة إلى تأخر التحويلات أحياناً. التاجر يريد سرعة في الدورة المالية، وليس أوراقاً عالقة في النظام”. ويعتبر أن التحول الرقمي ضروري، لكن يجب تخفيف الأعباء على أصحاب الأنشطة الصغيرة، مشيراً إلى أن بعض التجار لا يزالون يرون في النقد وسيلة أكثر مرونة وأسرع في تسيير العمل اليومي.

وفي بنغازي، يقدّم محمد الشاعري، صاحب محل لبيع الملابس، وجهة نظر مختلفة. ويقول لـ”العربي الجديد” إن إدخال الدفع الإلكتروني خفف الكثير من مشكلات الكاش، خصوصاً في ذروة المواسم التي يزداد فيها الازدحام، لكنه يشدد على أن نجاح هذه المنظومة يعتمد على استقرار الخدمة، موضحاً عندما ينقطع الإنترنت أو يزداد الضغط على التطبيقات المصرفية، تَشل الحركة داخل المتجر، ولا يستطيع الزبائن الدفع أو المغادرة بسهولة. يقول عبد المهيمن الفزاني، صاحب محل في مدينة سبها، إن اعتماد وسائل الدفع الإلكتروني أسهم في تخفيف معاناة المواطنين خلال أزمة السيولة النقدية، ووفّر بديلاً عملياً للتعاملات اليومية، غير أن هذه الخدمة لا تزال تعاني انقطاعات متكررة، إذ تتوقف المنظومات بين الحين والآخر، ما يحدّ من فعاليتها ويثير تذمّر الزبائن وأصحاب المحال على حدّ سواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *