ذكرت وسائل إعلام أميركية، أن شركة “ميتا” المالكة لتطبيق “فيسبوك” قررت إلغاء نحو 600 وظيفة في قسمها المخصص للذكاء الاصطناعي، في خطوة تهدف إلى تبسيط العمليات الداخلية بعد حملة توظيف مكثفة خلال الأشهر الماضية. وأوضحت تقارير نشرتها صحف “وول ستريت جورنال” و”نيويورك تايمز” ووكالات أخرى أن هذه التخفيضات لن تطاول “تي بي دي لاب”، وهي وحدة أسسها الرئيس التنفيذي لميتا مارك زوكربيرغ وتضم عدداً من كبار الباحثين الذين انضموا إلى الشركة مؤخراً برواتب مرتفعة لاستقطابهم من شركات منافسة مثل “أوبن إيه آي” و”آبل”.

وبحسب التقارير، فإن الخفض سيستهدف الفرق العاملة على منتجات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية التقنية، في محاولة لزيادة الكفاءة من دون التأثير على المشاريع الأكثر طموحاً داخل الشركة. وأشارت “وول ستريت جورنال” إلى أن العديد من الموظفين المتأثرين بالقرار سيُنقلون إلى أقسام أخرى داخل ميتا. ونقلت “نيويورك تايمز” عن مذكرة داخلية لرئيس قسم الذكاء الاصطناعي في ميتا، ألكسندر وانغ، قوله إن تقليص عدد الموظفين سيجعل عملية اتخاذ القرار تتطلب محادثات أقل ويمنح كل فرد نطاقاً وتأثيراً أوسع، ولم ترد الشركة على طلب وكالة فرانس برس للحصول على تعليق.

ووفقاً لوكالة بلومبيرغ، فقد أُبلغ الموظفون المتأثرون بهذه الخطوة يوم الأربعاء، فيما أكدت الشركة أنها تشجعهم على التقدم لوظائف أخرى داخل ميتا، مشيرة إلى أنها ستواصل التوظيف في فرق الذكاء الاصطناعي رغم التخفيضات الحالية. وتأتي هذه الخطوة في إطار التنافس المحموم في سباق الذكاء الاصطناعي بين ميتا ومنافسيها الرئيسيين مثل “أوبن أي آي”، و”غوغل” التابعة لشركة ” Alphabet Inc”، ويواصل مارك زوكربيرغ ضخ استثمارات ضخمة لمجاراة هذا السباق، إذ أنفقت ميتا مليارات الدولارات لاستقطاب أفضل الكفاءات في المجال، بينها استثمار بقيمة 14.3 مليار دولار في شركة Scale AI المتخصصة في تصنيف البيانات، ما أدى إلى انضمام وانغ إلى الشركة لقيادة جهودها في الذكاء الاصطناعي.

وفي تطور متصل، أعلنت ميتا يوم الثلاثاء صفقة تمويل بقيمة 27 مليار دولار مع شركة Blue Owl Capital، وهي أكبر اتفاق تمويل خاص في تاريخ الشركة، بهدف تمويل أكبر مشروع لمراكز البيانات التي تدعم خططها الطموحة في مجال الذكاء الاصطناعي. ويرى محللون أن هذه الصفقة ستمكّن ميتا من تحقيق أهدافها الضخمة من دون تحمّل كامل التكاليف والمخاطر، إذ سيتم نقل معظم العبء المالي إلى رأس المال الخارجي مقابل احتفاظ الشركة بحصة ملكية أصغر في المشروع، وفق “رويترز”.

وكانت ميتا قد أعادت هيكلة جهودها في الذكاء الاصطناعي في يونيو الماضي تحت مظلة Superintelligence Labs بعد سلسلة من الاستقالات بين كبار الموظفين والانتقادات التي واجهها نموذجها مفتوح المصدر ” Llama 4″، وقاد زوكربيرغ شخصياً حملة توظيف واسعة لإعادة تنشيط جهود الشركة في المجال. وتضم وحدة Superintelligence Labs حالياً فرق الأسس والمنتجات وFAIR، إلى جانب TBD Lab التي تركز على تطوير الجيل القادم من نماذج الذكاء الاصطناعي. وكانت ميتا قد بدأت استثمارها في الذكاء الاصطناعي منذ عام 2013 بإطلاق وحدة FAIR وتعيين العالم يان لوكون (Yann LeCun) كبيراً لعلماء الذكاء الاصطناعي لديها، لقيادة شبكة أبحاث عالمية متخصصة في التعلم العميق.

تأتي هذه التطورات في وقت تمر فيه صناعة الذكاء الاصطناعي بمرحلة إعادة هيكلة شاملة على مستوى الشركات الكبرى، حيث تسعى معظمها إلى تحقيق توازن بين التوسع السريع وضبط النفقات. فبينما تتنافس الشركات على تطوير نماذج لغوية متقدمة وتوسيع البنية التحتية للبيانات، تواجه في المقابل ارتفاعاً كبيراً في تكاليف التشغيل والطاقة والاستثمارات التقنية. وفي حالة ميتا تحديداً، فإن الشركة تعمل على تحويل استراتيجيتها المالية من الإنفاق المباشر الضخم إلى نموذج تمويلي أكثر مرونة، يقوم على جذب رأس المال الخارجي لتقاسم المخاطر، كما حدث في صفقة Blue Owl الأخيرة. هذه المقاربة تسمح لميتا بالاستمرار في الاستثمار في مراكز البيانات الفائقة والشرائح المتقدمة من دون أن تؤثر على ميزانيتها التشغيلية قصيرة الأمد.

ويشير محللون إلى أن خطوة ميتا الأخيرة تعكس اتجاهاً جديداً في وادي السيليكون، حيث لم تعد الشركات تركّز فقط على النمو العددي للموظفين أو حجم فرق البحث، بل على كفاءة اتخاذ القرار وسرعة تطوير النماذج. ويُعتقد أن قرار تقليص الوظائف يهدف إلى جعل فرق الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على التحرك بسرعة لمنافسة شركات مثل OpenAI  المدعومة من مايكروسوفت وAnthropic المدعومة من أمازون وغوغل. كما يأتي القرار في ظل تزايد الضغط من المستثمرين الذين يطالبون بتحقيق عائدات ملموسة من مشاريع الذكاء الاصطناعي بعد سنوات من الإنفاق المتسارع. وتُقدّر استثمارات ميتا في مجال الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي خلال العامين الماضيين بأكثر من 50 مليار دولار، وهو رقم يفوق استثمارات معظم منافسيها في القطاع.

وتعكس هذه التحركات تحوّلاً في نهج مارك زوكربيرغ، الذي كان تركيزه في السنوات الماضية منصبّاً على مشروع الميتافيرس، قبل أن يتحوّل بالكامل إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي باعتباره محور النمو المقبل للشركة. وبذلك، تُظهر ميتا من خلال هذه الإجراءات رغبة في تحقيق سرعة ومرونة أكبر في اتخاذ القرار، وتوجيه مواردها نحو المشاريع الاستراتيجية طويلة الأمد، خصوصاً تطوير الجيل الجديد من نماذج “Llama” التي تراهن عليها لمنافسة “GPT” من “OpenAI” و”Gemini” من “Google.  بهذا، لا تمثل عملية التسريح مجرد خطوة تنظيمية داخل الشركة، بل هي مؤشر على تحوّل أوسع في سياسات وادي السيليكون، حيث تتجه كبريات الشركات نحو نماذج تشغيل أكثر رشاقة واستدامة لمواجهة الموجة التالية من الثورة التكنولوجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *