شهدت انتخابات عمدة نيويورك لعام 2025 واحدة من أكثر الحملات تكلفة في تاريخ المدينة، حيث أنفق عشرات المليارديرات ملايين الدولارات في محاولة لمنع فوز المرشح الاشتراكي الديمقراطي زهران ممداني، غير أن النتيجة جاءت عكسية تماماً، إذ فاز ممداني بفارق حاسم ليصبح العمدة رقم 111، في أول انتصار واضح للتيار التقدمي على نفوذ المال في أكبر مركز مالي في العالم. وأظهرت بيانات تمويل الانتخابات، بحسب وسائل إعلام أميركية، أن أكثر من 26 مليارديراً وعائلات ثرية ضخوا ما بين 19 و28 مليون دولار في لجان تمويل سياسية هدفت إلى منع فوز ممداني، من أبرزها لجنتا “فيكس ذا سيتي” و”ديفند نيويورك”.
تأسست “فيكس ذا سيتي” بدعم مباشر من الملياردير مايكل بلومبيرغ وعدد من مطوري العقارات الكبار، وأنفقت أكثر من 16 مليون دولار على الإعلانات والحملات التحذيرية التي ركزت على اتهام ممداني بتبني سياسات معادية للنمو الاقتصادي، خاصة خطته لرفع الضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة وتجميد الإيجارات. أما “ديفند نيويورك” فأنشأها رجال أعمال مقربون من وول ستريت بقيادة المستثمر بيل آكمان، وتلقت مليون دولار من آكمان شخصياً، وركزت على ترويج فكرة أن انتخاب ممداني سيقوض مكانة المدينة مركزاً مالياً عالمياً.
ورغم ضخ الملايين في تلك الحملات، فشلت اللجنتان في تغيير المزاج الشعبي أو تقليص الفارق الانتخابي. وقالت “تايم”، إنه رغم هذا الإنفاق الهائل، جاءت النتيجة معاكسة تماماً، إذ فاز ممداني بفارق مريح تجاوز مليوني صوت، في انتخابات وصفت بأنها الأعلى مشاركة منذ عام 1969، لتتحول الأموال الموجهة ضده إلى عنوان جديد لعجز رأس المال أمام تصويت الطبقات الوسطى والعمالية التي واجهت أزمات معيشية متراكمة.
قائمة الممولين
وتصدر قائمة الممولين مايكل بلومبيرغ، الملياردير ومالك شركة “بلومبيرغ”، الذي أنفق نحو 13.3 مليون دولار لدعم لجان موالية لأندرو كومو ومعارضة لممداني. وجاء بعده جو غيبا، المؤسس المشارك لـ “Airbnb”، بمساهمات بلغت نحو 3 ملايين دولار، بينما قدم مدير صندوق التحوط بيل آكمان ما بين 1.25 و1.75 مليون دولار إلى لجان فيكس ذا سيتي” و”ديفند نيويورك” وفقاً لوكالة “بلومبيرغ”. كما ساهمت عائلات لاودر وتيش ووالتون بمبالغ تراوح بين 100 و500 ألف دولار لكل منها، في حين قدم رجل الأعمال ستيف وين نحو 500 ألف دولار، ودانيال لوب قرابة 350 ألف دولار، لصالح اللجان المناهضة لممداني، إضافة إلى تمويلات أخرى من رجال أعمال في قطاعات العقارات والإعلام والترفيه. وفشلت كل هذه الأموال في التأثير على اتجاهات الرأي العام، خاصة في الأحياء التي تضررت من ارتفاع تكاليف السكن وأسعار الإيجارات، والتي شكلت القاعدة الانتخابية الرئيسية لممداني.
وارتكزت الحملات المناهضة لممداني، وفقاً لرويترز، على التحذير من “نزوح الأثرياء” في حال تطبيق برنامجه الاقتصادي القائم على رفع الضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة وتجميد الإيجارات وتوسيع برامج الدعم السكني. وقال بيل آكمان في مقابلة مع الوكالة قبل الانتخابات إن رفع الضرائب في مدينة تعاني أصلاً أزمة سكن خانقة سيجعلها طاردة لرؤوس الأموال، محذراً من أن المستثمرين سينقلون أنشطتهم إلى ولايات أقل ضرائب مثل فلوريدا وتكساس. لكن هذه الرسائل، لم تلق صدى لدى الناخبين، بل استخدمها ممداني نفسه في حملته، ساخراً بالقول: “ينفقون ضدي أكثر مما كنت سأفرضه ضرائب عليهم”، وهي العبارة التي تحولت إلى شعار تعبوي جذب آلاف الشباب والموظفين المتوسطي الدخل.
ممداني يقلب معادلة التمويل
اعتمد ممداني على شبكة تمويل قاعدية من تبرعات صغيرة لم تتجاوز مئات الدولارات لكل مساهم، مقابل إنفاق المليارديرات على إعلانات رقمية ضخمة وإعلانات في الصحف الكبرى. وأشارت “تايم” إلى أن عدد المتطوعين في حملته تجاوز عشرين ألف شخص، بينما اكتفت اللجان المعارضة بحملات إعلانية محدودة التأثير. ولم يكن الفارق في حجم المال، بل في “من يتحدث باسم من”، فممداني قدم نفسه ممثلاً للعاملين في القطاعات الخدمية وسكان الأحياء المرهقة بارتفاع الإيجارات، بينما ظهر خصومه رموزاً لمنظومة مالية فقدت اتصالها بالشارع.
وبعد إعلان النتائج، بدت لهجة وول ستريت مختلفة كلياً. فقد هنأ بيل آكمان ممداني عبر منشور مقتضب قائلاً: “مبروك على الفوز، وإذا كان بإمكاني مساعدة نيويورك فأخبرني بما أستطيع فعله”، في تراجع واضح عن تهديده السابق بمغادرة المدينة. كما أعلن رالف شلوسشتاين، الرئيس التنفيذي السابق لشركة “إيفركور”، أنه سيعمل مع العمدة الجديد رغم الاختلاف السياسي، مؤكداً أن المدينة أكبر من الخلافات الأيديولوجية. وأصدرت بنوك كبرى، مثل “جيه بي مورغان” و”سيتي بنك” بيانات تهنئة أعقبتها اتصالات مباشرة مع مكتب العمدة المنتخب لمناقشة آليات التعاون في ملفات الإسكان والوظائف.

