اوضح التقرير أن الصدمات المناخية تساهم في تحطيم أي مكاسب محتملة، فكل موجة جفاف أو فيضان في هذه الاقتصادات الهشة يمكنها أن تعيد ملايين الأشخاص تحت خط الفقر في ليلة واحدة. وليس المناخ وحده هو السبب، فالصراعات الداخلية ستؤدي إلى وجود 60% من فقراء العالم داخل دول نزاع بحلول 2030. وأشار التقرير إلى أن الدول الفقيرة باتت أكبر مستقبل للنمو السكاني مستقبلاً، مما يعني أن عدد الفقراء قد يزداد، حتى لو بقيت النسب ثابتة. وخلص التقرير إلى أن العالم يدخل عصراً تصبح فيه معادلة الفقر أصعب من أي وقت مضى، وأن التهديد الأساسي يكمن في توقف النمو في الدول التي تحتاجه أكثر من غيرها.

 

 

يقف العالم اليوم أمام منعطف تاريخي غير مسبوق؛ فبعد 35 عاماً من التراجع المتصل في معدلات الفقر المدقع، توالت التحذيرات الدولية من احتمال انعكاس المسار وعودة الأرقام إلى الارتفاع اعتباراً من العقد المقبل. وقدمت منصة “أور وورلد إن داتا”، وهي منصة بحثية عالمية تتبع لجامعة أكسفورد، واحدة من أشد الرسائل وضوحاً حول مستقبل الفقر العالمي، وقالت في تحليل منشور في 17 نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، إن مسار التراجع التاريخي للفقر المدقع سيتوقف بعد 2030.

 

وتوقع التحليل الذي أعده الباحث ماكس روزر، أن ينخفض عدد الفقراء من 831 مليوناً في 2025 إلى 793 مليوناً في 2030، لكن الاتجاه سينعكس بعد ذلك صعوداً، في ظاهرة لم يشهدها العالم منذ منتصف التسعينيات. وأكد روزر أن السبب ليس انهيار أدوات التنمية، بل وصول تلك الأدوات إلى حدودها الطبيعية بعد نجاحها في الدول التي تمتلك قدرة على النمو الاقتصادي. أما اليوم، فـ70% من الفقراء يعيشون داخل اقتصادات لم تحقق نمواً حقيقياً منذ عقود مثل مدغشقر، التي بقي فيها نصيب الفرد من الناتج قريباً من مستوى 1950 رغم أن عدد السكان تضاعف عدة مرات.

 

وأشار روزر إلى أن دولاً مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وموزمبيق ومالاوي وبوروندي وأفريقيا الوسطى تعيش الحالة نفسها تقريباً، إذ إن متوسط الدخل أقل أصلاً من خط الفقر، ما يجعل إزالة الفقر عبر إعادة توزيع الدخول أمراً مستحيلاً.

نمو صفري

 

وبحسب روزر، فإن انهيار التقدم المستقبلي يظهر بوضوح في الفرق بين الماضي والمستقبل، فخلال العقود الثلاثة الماضية، كان الفقراء يعيشون في آسيا التي سجلت قفزة تنموية هائلة، أما اليوم فإن الفقراء يعيشون في دول ذات نمو صفري، ما يجعل معجزة ثلاثة عقود غير قابلة للتكرار. وختم روزر التحليل برسالة حادة تقول “إن لم تبدأ الاقتصادات الأكثر فقراً بالنمو، فإن الفقر المدقع سيصبح واقعاً ثابتاً لأجيال مقبلة”.

 

وبعد أقل من أسبوعين على تحذيرات روزر، نشرت منصة “فوكس” الأميركية تقريراً موسعاً، أول أمس الأحد، يصف ما يجري بأنه انتهاء حقبة الازدهار الأخلاقي الأعظم في تاريخ البشرية، وقال التقرير إن العالم شهد بين 1990 و2025 خروج 1.5 مليار إنسان من الفقر المدقع، وهو إنجاز فريد تحقق رغم الأزمات المالية، والحروب، والتحولات التكنولوجية، وتغير المناخ.

 

 

لكن – بحسب فوكس – هذا التقدم لم يكن نتيجة صدفة تاريخية، بل ارتبط بموقع الفقر جغرافيا، فقد كانت آسيا (خصوصاً الصين والهند وإندونيسيا وبنغلاديش) مركز الفقر العالمي، وهي دول سجلت أعلى معدلات نمو في العالم لعقدين متتاليين. أما اليوم، فقد انتقل مركز الفقر إلى أفريقيا جنوب الصحراء حيث يعيش 67% من الفقراء عالمياً، بحسب تقديرات البنك الدولي التي نقلها التقرير.

صدمات مناخية

 

وأوضح التقرير أن الصدمات المناخية تساهم في تحطيم أي مكاسب محتملة، فكل موجة جفاف أو فيضان في هذه الاقتصادات الهشة يمكنها أن تعيد ملايين الأشخاص تحت خط الفقر في ليلة واحدة. وليس المناخ وحده هو السبب، فالصراعات الداخلية ستؤدي إلى وجود 60% من فقراء العالم داخل دول نزاع بحلول 2030. وأشار التقرير إلى أن الدول الفقيرة باتت أكبر مستقبل للنمو السكاني مستقبلاً، مما يعني أن عدد الفقراء قد يزداد، حتى لو بقيت النسب ثابتة. وخلص التقرير إلى أن العالم يدخل عصراً تصبح فيه معادلة الفقر أصعب من أي وقت مضى، وأن التهديد الأساسي يكمن في توقف النمو في الدول التي تحتاجه أكثر من غيرها.

 

والعام الماضي، وضع البنك الدولي الأساس الرقمي لهذا الانعطاف الخطير في تقريره الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وهو أول تقييم شامل لمرحلة ما بعد جائحة كورونا. وأكد تقرير البنك أن العالم يضم اليوم نحو 700 مليون إنسان يعيشون تحت خط 2.15 دولار يومياً، وأن هذا الرقم لم يشهد تحسناً يذكر منذ الجائحة بسبب تباطؤ النمو في الاقتصادات الضعيفة.

 

الفقر المتعدد الأبعاد

 

وفي أحدث تطور يزيد المشهد قتامة، كشفت الأمم المتحدة بالتعاون مع مبادرة أكسفورد للفقر والكرامة البشرية (OPHI) في تقرير مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد 2025، الصادر في نوفمبر 2025، أن نحو 80% من فقراء العالم، أي 887 مليون شخص من أصل 1.1 مليار فقير متعدد الأبعاد، يتعرضون مباشرة لصدمات مناخية شديدة تشمل موجات حر وفيضانات وجفاف وتلوث هواء، في تقاطع خطير بين هشاشة الفقر والضغط البيئي. وبحسب التقرير، فإن الفقر لم يعد نتيجة حرمان اقتصادي فحسب، بل أصبح مرتبطاً بحزمة من المخاطر المتراكمة؛ إذ يواجه 651 مليون فقير صدمتين مناخيتين أو أكثر في الوقت نفسه، بينما يعيش 309 ملايين تحت ثلاثة أو أربعة مخاطر متداخلة، ما يصنع عبء الفقر المناخي المضاعف الذي يحطم كل محاولات التعافي.

 

وتشير البيانات إلى أن أخطر مناطق الانكشاف تقع في جنوب آسيا (380 مليون فقير متأثر، بنسبة 99% من فقرائها) وأفريقيا جنوب الصحراء (344 مليوناً)، فيما تظهر النماذج المناخية – وفقاً للتقرير- أن الدول الأكثر فقراً اليوم ستكون أيضاً الأكثر تعرضاً لارتفاع درجات الحرارة بحلول نهاية القرن، ما يعني أن الفقر والمناخ يسيران نحو مسار متواز من التدهور ما لم يجر تبني سياسات تحمي الفئات الهشة وتعيد هيكلة تمويل التنمية بشكل جذري. وفي تطور أكثر حدة، حذرت منظمة “يونيسف” في تقريرها السنوي الصادر في 20 نوفمبر المنصرم بعنوان “حالة أطفال العالم 2025: القضاء على فقر الأطفال”، من أن أكثر من 417 مليون طفل في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل يعانون حرماناً شديداً في حاجتين أساسيتين على الأقل من بين ستة حقوق أساسية تشمل التعليم والصحة والسكن والتغذية والمياه والصرف الصحي.

 

وبحسب التقرير، يعاني 118 مليون طفل من ثلاثة أشكال من الحرمان أو أكثر، فيما يواجه 17 مليون طفل أربعة حرمانات متزامنة، في ظل بيئات اقتصادية منهارة وصدمات مناخية متصاعدة ونزاعات مسلحة تعيد عقارب التقدم إلى الوراء. ووفقاً للتقرير، فإن خفض المساعدات التنموية قد يؤدي إلى وفاة 4.5 ملايين طفل دون الخامسة بحلول 2030، وحرمان ستة ملايين طفل إضافيين من التعليم خلال عام واحد فقط، في مؤشر يوضح أن الفقر اليوم بات يحمل ملامح أزمة جيلية كاملة لا مجرد اختلال اقتصادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *