لم يكن اللجوء إلى البنوك لحفظ الممتلكات الثمينة يوماً محل شك لدى الفلسطينيين، لا سيما في قطاع غزة، حيث اعتبرت صناديق الأمانات التي توفرها بعض البنوك ملاذا أخيرا لحماية الذهب والوثائق الرسمية والإرث العائلي من تقلبات الزمن والحروب المتكررة.

غير أن ما تكشّف بعد الحرب الأخيرة كان العكس تماما، إذ سجلت عشرات الشكاوى تقدم بها أصحاب صناديق الأمانات في أحد فروع بنك فلسطين، وتحديدا فرع السرايا بشارع الجلاء، بعد أن صُدموا بإبلاغهم أن صناديقهم مفقودة بالكامل، رغم أن الفرع لم يتعرض لقصف مباشر أو تدمير.

والصدمة لم تكن في الفقدان وحده، بل في مسار طويل من المماطلة، التطمين غير الدقيق، ثم الصمت، دون تقديم رواية واضحة أو تحقيق معلن.

ورغم ذلك، أفاد بنك فلسطين بأنه يتابع فقدان عدد من صناديق الأمانات في بعض فروعه بالقطاع، نتيجة أضرار لحقت بالمباني خلال الحرب، مؤكدا أن ما جرى خارج عن إرادته، وأنه يعمل على حصر الأضرار ودراسة الشكاوى الواردة في ظل الظروف الاستثنائية القائمة.

روايات الضحايا
تروي الضحية زينب عودة قصتها مع صندوق الأمانات رقم 78 في بنك فلسطين – فرع السرايا، والذي استأجرته قبل الحرب بنحو عامين، بدافع واحد هو الأمان. وقالت عودة لـ”العربي الجديد”: “اخترت البنك استنادا إلى ما يعلنه من التزام بحماية صناديق الأمانات من السرقة والحريق والفقد، معتبرة أن البنك هو الجهة الأكثر أمانا لحفظ المقتنيات الثمينة والمستندات الحساسة”.

ووضعت عودة في صندوقها كمية من الذهب، لا تُقدر قيمتها بالمال فقط، بل بما تحمله من رمزية عاطفية وتاريخية، إذ يضم جزءا من إرث والدتها، إلى جانب مستندات غاية في الأهمية تحتاجها بشكل عاجل. قائلةً: “لم أضعها للادخار فقط، بل للحفاظ على جزء من ذاكرتي العائلية”.

وخلال فترة الحرب، أغلق البنك أبوابه بسبب الوضع الأمني، ولم تتلق عودة أو غيرها من أصحاب الصناديق أي إشعار رسمي حول مصير الأمانات أو الإجراءات المتخذة لحمايتها. وأضافت: “بعد انتهاء الحرب، تواصلت مع البنك عبر واتساب، وصفحاته الرسمية، وتلقت تطمينات بأن الصناديق بأمان، كما تواصلت في السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، مع مكتب البنك في القاهرة، وكان الرد أن الصندوق “غير جاهز للتسليم”.
ولفتت إلى أن الصدمة الكبرى وقعت عندما توجهت شقيقتها إلى مدير فرع البنك في غزة، ليُبلغها بأن الصندوق من “الصناديق المفقودة”، مشيرةً إلى أن هذا الإبلاغ كان صادمًا، خاصة أن الفرع لم يتعرض لقصف أو قوة قاهرة تبرر الفقدان.
وتابعت: “في الثامن من نوفمبر، قدمت شكوى رسمية عبر البريد الإلكتروني للبنك دون أي رد. ثم لجأت في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي إلى سلطة النقد، لكن الرد الذي تلقيته بعد شهر، بحسب قولها، لم يتناول جوهر القضية، وجاء منحازا
لرواية البنك”.

من التطمينات إلى الصدمة
كذلك تحدثت الضحية آثار مسلم، صاحبة صندوق أمانات حديدي منذ عام 2021، في فرع بنك فلسطين – فرع السرايا، ووجدت نفسها في مواجهة مسار مشابه من الوعود والتطمينات التي انتهت بإبلاغها أن صندوقها “مفقود بالكامل”. وأكدت مسلم لـ”العربي الجديد” أنها استأجرت الصندوق لحفظ ذهب وأوراق رسمية مهمة، باعتبار البنك جهة مؤتمنة، وصناديقه محصنة ضد السرقات. ومنذ بداية الحرب، حاولت مسلم مرارا التواصل مع البنك لفتح الصندوق، خاصة أنها كانت تريد السفر، وفي كل مرة كان الرد أن الصندوق “بأمان”، حتى خلال فترات الهدنة التي أُتيح فيها التنقل.
ولفتت إلى أن البنك لم يتعرض لقصف مباشر، وأنها أرسلت مراسلات شبه أسبوعية دون جدوى. “وفي 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، تلقيت أول رد يؤكد أن صندوقي بأمان، وفي 30 يناير/ كانون الثاني 2025، خلال الهدنة، حاولت أخذ أماناتي، لكن الرد كان دائما: نعتذر عن تقديم هذه الخدمة. وفي 13 فبراير/ شباط لنفس العام، أعدت إرسال بريد عاجل نظرا لأهمية المستندات، فجاء الرد: “لا جديد حتى الآن”. وتضيف مسلم: “بعد توقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، علمت أن سلطة النقد ترفض تسليم الصناديق، ثم بعد أسبوع فقط، تم إشعاري بأن الصناديق نُهبت.

وتتساءل: “هل من المنطقي أن يُمنع العميل من استلام أمانته، ثم يُبلغ لاحقا أنها سُرقت؟”. وأشارت إلى أنها في 2 ديسمبر/ كانون الأول 2025، تسلمت كتابا رسميا مختوما من البنك يفيد بفقدان الصندوق نتيجة “الظروف الأمنية”، دون أي تفاصيل حول كيفية الفقدان أو نتائج تحقيق داخلي أو آلية تعويض. كما تضمن الكتاب وفق مسلم، نصا يُخلي مسؤولية البنك قانونيا، وهو ما تراه إجراء أحاديا يفتقر للعدالة. وتطرح مسلم تساؤلات جوهرية: إذا كان الهدف سرقة الذهب، فأين مستنداتي؟ ولماذا لم يتم حتى الآن أي تحقيق في الواقعة؟ مؤكدة أنها تمتلك صورا تثبت ملكيتها للمحتويات وأن ردود البنك اقتصرت على عبارات عامة دون التزام واضح.

رد البنك وسلطة النقد
بدوره، أكد مصدر مسؤول في بنك فلسطين، أن البنك يدرك حجم الخسائر الكبيرة التي لحقت بالمواطنين جراء الحرب وما خلفته من دمار وآلام، مشيرا إلى تفهّم البنك الكامل لمخاوف العملاء بعد فقدان عدد من صناديق الأمانات في بعض فروع قطاع غزة خلال فترة العدوان. وأوضح المصدر، الذي اشترط عدم ذكر اسمه في حديث لـ”العربي الجديد”، أن ما حدث كان خارجا عن إرادة البنك، وجاء نتيجة القصف المباشر الذي طاول مباني الفروع، ما أدى إلى فقدان السيطرة على كل محتويات بعض صناديق الأمانات أو جزء منها، أو تعرضها للسرقة في ظل الظروف الأمنية القاسية.

وأضاف: “بنك فلسطين باشر منذ اللحظات الأولى بحصر الأضرار والتواصل مع الجهات المختصة، ويعمل حاليا على مراجعة جميع الشكاوى الواردة بدقة وعناية، مؤكدا أنه سيتم التواصل مع كل عميل على حدة فور توفر أي معلومات جديدة تتعلق بصندوقه”. ولفت لـ”احترام البنك الكامل لحقوق عملائه وحرصه على الشفافية، مع التزامه ببذل أقصى الجهود الممكنة في إطار الظروف القاهرة التي تمر بها المحافظة”.
وفي القضايا المصرفية، تعد سلطة النقد الفلسطينية الجهة الرقابية الأولى والمفترض أن تكون الضامن لحقوق العملاء، خاصة في حالات النزاع الجسيم بين المواطن والمؤسسة المصرفية. إلا أن تعامل سلطة النقد مع ملف سرقة صناديق الأمانات في بنك فلسطين أثار استياءً واسعا وتساؤلات خطيرة حول دورها واستقلاليتها. وتوجه عدد من الضحايا بشكاوى رسمية مكتوبة إلى سلطة النقد، تطالب بفتح تحقيق رقابي جاد حول فقدان صناديق حديدية يُفترض أنها مؤمّنة بالكامل، ولم تتعرض لأي قصف مباشر أو كارثة طبيعية.

غير أن الرد الذي تلقته إحدى الضحايا جاء مختصرا للغاية، ولم يتضمن أي إشارة إلى فتح تحقيق أو اتخاذ إجراءات رقابية. وجاء في رد سلطة النقد على الضحية نصا: “لاحقا لشكواكم على بنك فلسطين، فقد أشار المصرف إلى قيامه بالتواصل معكم وتزويدكم بآخر المستجدات بالخصوص”. وبذلك، اكتفت سلطة النقد بنقل رواية البنك حرفيا، دون توضيح موقفها، أو بيان ما إذا كانت قد درست الشكوى أو راجعت الإجراءات المتبعة لحماية صناديق الأمانات أو طلبت تقارير تحقيق داخلية من البنك.
ولعل الأخطر من ذلك، ما أكده مصدر في سلطة النقد لـ”العربي الجديد”، من عدم وجود نية لدى الجهات المسؤولة لفتح تحقيق جدي في قضية سرقة الأمانات، باعتبار أن “سرقة الأموال والأمانات واردة في ظروف الحرب”، مع نفي وجود أي شبهات سرقة من داخل البنك نفسه، دون تقديم ما يثبت إجراء فحص مهني مستقل أو تحقيق محايد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *