مع دخول شهر رمضان، تبدو الأسواق في تونس أقل صخباً مما كانت عليه في السنوات الماضية؛ فبين رفوف المواد الغذائية ومحلات الخضر والغلال، يسود حذر واضح في سلوك المستهلكين الذين يحاولون الاستعداد للشهر الكريم بأقل كلفة ممكنة، في ظل تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع أسعار العديد من المواد الأساسية.
ورغم تمسّك التونسيين بالعادات الرمضانية، فإن مظاهر التقشف أصبحت جزءاً من الاستعدادات السنوية لدى عدد متزايد من الأسر التي لا تزال تعاني آثار التضخم، رغم تراجع وتيرته وفق الأرقام الرسمية.
تؤكد آمال دمّق، وهي موظفة وأم لطفلين من ضواحي العاصمة، أنها حددت قائمة مسبقة للمشتريات وفق ميزانية محددة لا يمكنها تجاوزها، حتى تتمكن من الحفاظ على توازن نفقاتها الأسرية.
تقول لـ”العربي الجديد”: “في السابق كنا نشتري كل ما نشتهيه لرمضان، أما اليوم فأضع قائمة دقيقة وأركز على الضروريات فقط؛ فاللحوم أصبحت على فترات وليس يومياً، كذلك وفرت بعض المؤونة من الأشهر الماضية سأستعملها خلال شهر الصيام”.
وتصف آمال أسعار الغذاء بالخيالية، مؤكدة أن وجبة إفطار فخمة قد تحتاج إلى نصف مرتبها الشهري، وتابعت: “كنت أشتري حاجيات رمضان دفعة واحدة تقريباً، أما الآن فأقسّم المشتريات حسب الضرورة، اللحوم مثلاً أصبحت مرة أو مرتين في الأسبوع فقط”.
أما نزار بورويس، وهو عامل يومي، فيؤكد أن ميزانيته لم تعد تتحمل المصاريف نفسها، مشيراً إلى أن أصحاب الدخل المحدود وعمال المياومة في صراع يومي مستمر لموازنة أجورهم البسيطة مع سيل النفقات اليومية. وأكد في تصريح لـ”العربي الجديد”: “نكتفي بحساء وبريك (معجنات) وسلطة أحياناً، ونستغني عن الطبق الرئيسي الأكثر كلفة، المهم أن نجتمع على المائدة”.
وتقر العديد من الأسر التونسية أن موائد الإفطار لم تعد كما كانت في السابق، حيث دفعت الأسعار المرتفعة طيفاً واسعاً من التونسيين إلى تقليص كميات اللحوم أو استبدالها ببدائل أقل تكلفة.
وأخيراً، قرع قصابو (جزارو) تونس أجراس الخطر بسبب وصول أسعار اللحوم إلى مستويات قياسية، مرجحين بلوغ سعر الكيلوغرام الواحد من لحم الضأن إلى نحو 24 دولاراً. وقال رئيس غرفة القصابين، أحمد العميري، في تصريح سابق لـ”العربي الجديد”، إن ما لا يقل عن ثلاثة آلاف محل جزارة أُغلق خلال السنوات الخمس الماضية نتيجة تغير سلوك الاستهلاك وتراجع شراء اللحوم بسبب الغلاء.
كذلك يسعى كثيرون للتخطيط المسبق وتجنب التبذير، خصوصاً أن تقديرات سابقة تشير إلى أن نحو 66% من الطعام قد يُهدر خلال رمضان في تونس، وهو ما دفع جمعيات الاستهلاك إلى الدعوة إلى ترشيد الإنفاق. ووفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء الحكومي، سجلت أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً يقارب 5.9% مطلع عام 2026 مقارنة بالسنة السابقة.
وتشير البيانات إلى أن التونسيين يخصصون نحو 25% من إنفاقهم الإجمالي للمواد الغذائية، وهي نسبة قد تصل إلى حوالى 30% لدى الأسر محدودة الدخل، ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار ينعكس مباشرة على ميزانية الأسرة. في المقابل، يرتفع الإنفاق الغذائي خلال رمضان عادة بنسبة تراوح بين 20% و30% مقارنة ببقية أشهر السنة، غير أن هذه الزيادة باتت اليوم أقل بسبب اتجاه الأسر إلى تقليص المشتريات.
ويقول الباحث الاجتماعي فؤاد الدربالي: “التحول نحو الاستهلاك المعتدل قد يكون إيجابياً إذا استمر بعد رمضان، لأنه يحد من الهدر ويعزز ثقافة الادخار”. وأشار لـ”العربي الجديد” إلى أن التونسيين يحافظون، رغم الضغوط الاقتصادية، على استقبال رمضان بروح التفاؤل؛ فالشهر الكريم يظل مناسبة للتقارب العائلي والتضامن الاجتماعي، حتى وإن تقلصت الموائد وتغيّرت العادات.
ويرى الباحث الاجتماعي أن الأزمة الاقتصادية دفعت إلى مراجعة بعض السلوكيات، إذ أصبح التركيز أكبر على الجودة بدلاً من الكمية، وعلى تجنب الإسراف الذي كان يطبع بعض الممارسات، مؤكداً أن هذه التحولات قد تساهم في ترسيخ ثقافة استهلاك رشيد ومستدام.
