حذر خبراء ومصرفيون من أن عملية "الفصل المالي" التي يشهدها السودان حالياً قد تؤدي إلى كارثة محققة وتعميق للأزمة الاقتصادية، عقب بروز تطبيقات مالية مصرفية جديدة يتم التعامل بها في ولايات غرب السودان الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.

حذر خبراء ومصرفيون من أن عملية “الفصل المالي” التي يشهدها السودان حالياً قد تؤدي إلى كارثة محققة وتعميق للأزمة الاقتصادية، عقب بروز تطبيقات مالية مصرفية جديدة يتم التعامل بها في ولايات غرب السودان الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.

وأكد الخبراء أن هذه التطبيقات المصرفية غير مبرئة للذمة، ولا تخضع للمعايير القانونية والمالية المصرفية وفقاً للوائح المحلية أو الدولية التي تنظم العمل المصرفي وتمنع تمويل الإرهاب وغسل الأموال.

صراع الشرعية المصرفية

شرعت مجموعة من رجال الأعمال في إطلاق تطبيق مصرفي جديد بإقليم دارفور تحت مسمى “المستقبل للخدمات المصرفية والمالية”، بدءا من شهر يناير/ كانون الثاني، وذلك في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. أثارت هذه الخطوة جدلاً واسعاً حول نشوء نظامين ماليين منفصلين في السودان؛ وهي خطوة وصفها بنك السودان المركزي في وقت سابق بأنها “غير قانونية”.
وأصدر البنك المركزي يوم الأربعاء الماضي تحذيراً رسمياً من انتشار تطبيق مالي إلكتروني غير مرخص في ولاية جنوب دارفور، مؤكداً أن الجهة المذكورة لا تملك أي ترخيص لمزاولة النشاط المالي أو المصرفي داخل السودان.

وأوضح البنك في بيان أن “بنك السودان المركزي” هو الجهة الوحيدة المخولة قانوناً بإصدار تراخيص العمل المصرفي، وأن أي تعامل مع هذا الكيان أو منصاته يعد مخالفة صريحة للقوانين الوطنية، بما في ذلك قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2014م.
ودعا البنك المواطنين والجهات الاعتبارية إلى عدم التعامل مطلقاً مع هذا الكيان، محذراً من مخاطر جسيمة، منها غياب المرجعية القانونية في حال اختراق البيانات أو فقدان كلمات المرور، وانعدام الضمانات للأموال المودعة أو المحولة. كما نبه إلى أن هذه الممارسات تخالف الاتفاقيات الدولية الخاصة بمنع تمويل انتشار التسلح.

واقع الانقسام المالي

في المقابل، وصف بعض رجال الأعمال والتجار في دارفور التطبيق الجديد بأنه يمثل “حلاً عملياً” بعد معاناة طويلة مع القيود المفروضة على التحويلات المالية، والتي أربكت الأنشطة التجارية وألحقت بهم خسائر ملموسة. وقال التاجر بجنوب دارفور، مرتضى إبراهيم، إنه منذ اندلاع الحرب، تحولت الخدمات المصرفية الإلكترونية من وسيلة لتسهيل المعاملات إلى “أداة تمييز ذات طابع أمني” من جميع الأطراف.
ويعاني إقليم دارفور من أزمة عملة معقدة، حيث لا يزال التعامل جارياً بالعملة الورقية القديمة؛ نظراً لأن الحكومة السودانية قامت بتغيير فئتي (الـ 1000 جنيه والـ 500 جنيه) العام ما قبل الماضي. وأصبحت غالبية العملات المتداولة حالياً في الإقليم من فئة الـ 500 جنيه القديمة التي لا تحمل أرقاماً تسلسلية، ورغم ذلك فرضتها قوات الدعم السريع كعملة مبرئة للذمة وأجبرت التجار على قبولها.

مخاطر غياب الرقابة الدولية

يرى المصرفي أحمد عبد الله، أن نشوء تطبيق مالي دون موافقة الجهات الرسمية يعد مخالفة صريحة لقواعد مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) المعنية بمكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال. وأوضح أن البنوك ملزمة بالانصياع لهذه المعايير لضمان أمان الودائع، مشيراً إلى أن أي تعامل مع تطبيق “المستقبل” سيكون محدوداً للغاية ومعرضاً لمخاطر النهب والضياع دون سند قانوني.

وفي ظل توقف البنوك الرسمية بدارفور، يعتمد قطاع عريض من المواطنين وكبار التجار على تطبيق “بنكك” التابع لبنك الخرطوم. إلا أن قوات الدعم السريع فرضت رقابة صارمة على المتعاملين به، ووصل الأمر إلى سجن عدد من موظفي الدولة بحجة تلقيهم رواتب من الحكومة المركزية في بورتسودان عبر التطبيق، مما أدى إلى تفاقم أزمة السيولة الحادة وتعقيد المعاملات التجارية.

بوادر “الاقتصاد المزدوج”

أشارت تقارير دولية، نقلتها منصة “تي آر تي أفريكا” (TRT Africa)، إلى أن ما يحدث في دارفور يعكس بوادر نشوء “اقتصاد مزدوج” في السودان، حيث تُدار المناطق بأنظمة مالية موازية تشمل فرض جمارك ودفع مرتبات خارج سلطة البنك المركزي، مما يعزز المخاوف من نشوء “سيادة مالية مجزأة”.
من جانبه، أوضح الخبير المصرفي نجم الدين الطيب لـ “العربي الجديد” أن إنشاء جسم مصرفي جديد يواجه عقبات كبيرة؛ فبدون طباعة عملة خاصة لا يمكن التحكم في السيولة، وحتى في حال طباعتها، ستواجه العملة مشكلة عدم الاعتراف بها في بقية السودان، وهو السوق الأساسي لمنتجات إقليم دارفور، مما قد يعرضها لمقاطعة اقتصادية.
أما المختص بشؤون المصارف، أحمد خليل، فقد رأى في حديثه لـ “العربي الجديد” أن الخطوة جاءت استجابة طبيعية للبحث عن خدمات للجمهور في ظل غياب الأجهزة المصرفية. وأكد أن استقرار إقليم دارفور، الذي يتصدر صادرات الثروة الحيوانية والصمغ العربي، يتطلب تنظيماً للعملية التجارية والمالية لتخفيف معاناة المواطنين وتلبية احتياجات الشركات ورجال الأعمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *